ما هو التعلم القائم على حل المشكلات؟ وما هي أهم أهدافه؟

...

يسعى التعليم الحديث إلى إعداد متعلمين يمتلكون القدرة على التفكير والتحليل واتخاذ القرار في مواقف قريبة من واقع الحياة العملية، ويفرض سوق العمل اليوم مهارات تتجاوز الحفظ والتلقين ويحتاج إلى عقول قادرة على التعامل مع التحديات المتغيرة بثقة ووعي.

ويبرز التعلم القائم على حل المشكلات بوصفه أحد الأساليب التعليمية التي تربط المعرفة بالتطبيق وتحول المتعلم من متلقي للمعلومة إلى مشارك نشط في بنائها. 

كما يدعم هذا الأسلوب تنمية المهارات العقلية والعملية ويزيد من الاستقلالية في التعلم، كما يوفر للمتعلم فرصة حقيقية لفهم المشكلات وتحليلها والوصول إلى حلول مدروسة وهو ما ينسجم مع توجهات التعليم في المملكة العربية السعودية نحو تطوير المخرجات التعليمية وربطها بمتطلبات الواقع المهني.

ما هو التعلم القائم على حل المشكلات؟

يعتمد التعلم القائم على حل المشكلات على تقديم موقف تعليمي في صورة مشكلة حقيقية تحتاج إلى تفكير وتحليل بدلًا من عرض المعلومات بشكل مباشر، حيث يبدأ المتعلم بمحاولة فهم المشكلة ثم يبحث عن معلومات مرتبطة بها ويقترح حلولًا متعددة قبل اختيار الحل الأنسب وتنفيذه. 

ويركز هذا النوع من التعلم على بناء المعرفة من خلال الممارسة ويوفر للمتعلم دورًا مهمًا في عملية التعلم بدل الاكتفاء بدور المتلقي؛ بينما يساعد هذا الأسلوب على ربط المحتوى الدراسي بالواقع ويجعل التعلم أكثر معنى، خاصةً عند التعامل مع مواقف تشبه ما قد يواجهه المتعلم في حياته الدراسية أو المهنية.

نشأة التعلم القائم على حل المشكلات وتطوره 

ظهر هذا النوع من التعلم في البيئات التعليمية التي سعت إلى تجاوز الأساليب التقليدية المعتمدة على التلقين، خاصة في مجالات التعليم الطبي والهندسي واعتمدت الجامعات في بدايات تطبيقه على طرح مشكلات مستمدة من الواقع المهني بهدف تدريب المتعلمين على التفكير المنهجي وتحليل المواقف المعقدة.

كما تطور هذا الأسلوب مع مرور الوقت وانتقل إلى مراحل تعليمية مختلفة ليشمل التعليم العام والجامعي والتدريب المهني، وقد ساعد تطور المناهج وأساليب التقويم على ترسيخ هذا التوجه، كما أسهم استخدام التقنيات التعليمية الحديثة في توسيع مجالات تطبيقه ليصبح أحد الأساليب المعتمدة في تنمية المهارات وربط المعرفة النظرية بالممارسة العملية.

أهداف التعلم القائم على حل المشكلات 

يساعد التعلم القائم على حل المشكلات على بناء تجربة تعليمية تركز على المتعلم وتدعم انتقاله من حفظ المعلومات إلى توظيفها في مواقف واقعية؛ بينما يهدف هذا الأسلوب إلى تنمية قدرات عقلية ومهارية تتماشى مع متطلبات التعليم الحديث وسوق العمل مع تعزيز دور المتعلم في البحث والتفكير واتخاذ القرار، ومن أهداف التعليم القائم على حل المشكلات:

1. تنمية مهارات التفكير

يزيد هذا الهدف قدرة المتعلم على التحليل والاستنتاج وربط الأفكار من خلال التعامل مع مشكلات تحتاج إلى فهم عميق وليس إجابة جاهزة، ويدرب المتعلم على التفكير المنظم، كما يشجعه على فحص الحلول قبل اعتمادها.

2. ربط التعلم بالواقع

يعتمد هذا الهدف على تقديم مشكلات قريبة من الحياة اليومية أو المهنية ليساعد المتعلم على إدراك قيمة ما يتعلمه، ويجعل هذا الربط المعرفة أكثر وضوحًا وأسهل في التطبيق داخل المواقف الحقيقية.

3. تعزيز التعلم الذاتي

يدفع هذا الهدف المتعلم إلى البحث عن المعلومات بنفسه والاعتماد على مصادر متعددة لفهم المشكلة، وهذا يزيد من روح المبادرة ويقوي الثقة في القدرة على التعلم المستمر.

4. تنمية مهارات العمل الجماعي

يشجع هذا الهدف التعاون بين المتعلمين عند مناقشة المشكلات واقتراح الحلول، كما يساعد العمل المشترك على تبادل الخبرات واحترام الآراء المختلفة وبناء حلول أكثر نضجًا.

خصائص التعلم القائم على حل المشكلات 

يعتمد التعليم القائم على حل المشكلات على مجموعة من الخصائص التي تميزه عن الأساليب التقليدية وتجعله أكثر ارتباطًا باحتياجات المتعلم ومتطلبات الواقع التعليمي والمهني، كما تساعد هذه الخصائص في بناء بيئة تعليمية نشطة وتشجع المشاركة والتفكير والتحليل بدل الاكتفاء باستقبال المعلومات، ومن أهم خصائصه:

1. التعلم المتمركز حول المتعلم

يوفر هذا الأسلوب للمتعلم دورًا مهمًا في عملية التعلم، حيث يتولى مسؤولية فهم المشكلة والبحث عن الحلول المناسبة، ويزيد هذا الدور الثقة بالنفس، كما يشجع الاعتماد على التفكير الشخصي بدل انتظار التوجيه المباشر من المعلم.

2. المشكلات الواقعية

يعتمد هذا الأسلوب على تقديم مشكلات مستمدة من مواقف حقيقية أو قريبة من الواقع العملي، حيث يساعد ذلك المتعلم على إدراك قيمة المعرفة التي يكتسبها ويجعله أكثر قدرةً على توظيف ما تعلمه في مواقف مشابهة خارج الصف الدراسي.

3. العمل التعاوني

يشجع هذا الأسلوب التفاعل بين المتعلمين من خلال النقاش وتبادل الآراء أثناء معالجة المشكلة، ويساعد التعاون في تنمية مهارات التواصل، كما يعلم المتعلم احترام وجهات النظر المختلفة ويساعد على الوصول إلى حلول أكثر دقة.

مراحل التعلم القائم على حل المشكلات

يمر هذا التعلم بعدة مراحل منظمة تساعد المتعلم على التعامل مع المشكلة بشكل منهجي ومتدرج، حيث تساعد هذه المراحل في بناء التفكير المنطقي وتدعم الانتقال من فهم المشكلة إلى الوصول لحل مناسب قابل للتطبيق على النحو التالي:

1. تحديد المشكلة 

يبدأ المتعلم بتحليل الموقف المطروح وفهم أبعاده بدقة مع تحديد المشكلة الأساسية بعيدًا عن التفاصيل الجانبية، ويساعد هذا التحديد الواضح على توجيه الجهد نحو الهدف الصحيح ويمنع التشتت أثناء البحث عن الحل.

2. جمع المعلومات

ينتقل المتعلم إلى البحث عن البيانات والمعارف المرتبطة بالمشكلة من مصادر متعددة، ويدعم هذا الجمع بناء صورة متكاملة عن المشكلة، كما يساعد على فهم أسبابها والعوامل المؤثرة فيها.

3. اقتراح الحلول

يعتمد المتعلم في هذه المرحلة على التفكير الحر واقتراح أكثر من حل ممكن، كما يشجع هذا التنوع على الإبداع ويفتح المجال لمناقشة البدائل دون التقيد بإجابة واحدة.

4. اختيار الحل الأنسب

يقارن المتعلم الحلول المقترحة وفق معايير واضحة مثل إمكانية التطبيق والنتائج المتوقعة، ويساعد هذا الاختيار على اتخاذ قرار مبني على تحليل منطقي وليس على التخمين.

5. التقييم والتأمل

يختتم المتعلم العملية بمراجعة الحل الذي تم اختياره وتحليل مدى نجاحه في معالجة المشكلة، وهذا يدعم تطوير الأداء في المواقف المستقبلية ويزيد التعلم المستمر من التجربة.

دور المعلم في التعلم القائم على حل المشكلات 

يؤثر المعلم بشكل أساسي في التعلم القائم على حل المشكلات، حيث يتحول من ناقل للمعلومة إلى ميسر وداعم لعملية التعلم، كما يساعد المعلم المتعلمين على التركيز على تحليل المشكلة واكتساب مهارات التفكير النقدي ويقدم الإرشاد المناسب عند الحاجة دون حل المشكلة نيابة عنهم، حيث يأتي دور المعلم في التعليم القائم على حل المشكلات متمثلًا في:

  • توجيه المتعلمين لفهم المشكلة بعمق وتشجيعهم على طرح الأسئلة المناسبة.
  • توفير الموارد والأدوات اللازمة لجمع المعلومات وحل المشكلات.
  • دعم المناقشات التعاونية بين المتعلمين لضمان مشاركة جيدة للجميع.
  • تقييم تقدم المتعلمين وملاحظة نقاط القوة والضعف لديهم لتقديم الملاحظات البناءة.
  • تشجيع التفكير النقدي والابتكار عند اقتراح الحلول وتنفيذها.

دور المتعلم في التعلم القائم على حل المشكلات 

يتحمل المتعلم مسؤولية كبيرة في التعلم القائم على حل المشكلات، حيث يصبح محور العملية التعليمية ويشارك في كل مرحلة، ويعتمد النجاح على مبادرته في البحث والتحليل والتفكير النقدي لتعزيز استقلاليته وقدرته على التعامل مع المواقف الواقعية، ويأتي دور المتعلم متمثل في:

  • فهم المشكلة بدقة وتحديد عناصرها الأساسية.
  • جمع المعلومات اللازمة من مصادر متنوعة لفهم أبعاد المشكلة.
  • اقتراح حلول متعددة ومناقشتها مع الزملاء لتوسيع الخيارات.
  • اختيار الحل الأنسب بناءً على المعطيات المتوفرة والمعايير المحددة.
  • تقييم نتائج الحل والتعلم من التجربة لتطوير مهاراته المستقبلية.

أهمية التعلم القائم على حل المشكلات في التعليم 

يساعد التعليم القائم على حل المشكلات في تطوير التعليم بشكل يجعل المتعلم أكثر قدرةً على مواجهة التحديات الواقعية واتخاذ القرارات المبنية على التفكير المنطقي والتحليل.

كما يزيد هذا الأسلوب من مهارات المتعلمين العقلية والعملية ويجعل عملية التعلم أكثر ارتباطًا بالواقع؛ بعيدًا عن الحفظ التقليدي، وتأتي أهمية التعليم القائم على حل المشكلات متمثلة في:

  • تطوير مهارات التفكير النقدي والتحليلي لدى المتعلمين.
  • تعزيز القدرة على تطبيق المعرفة في مواقف عملية وحقيقية.
  • تنمية مهارات العمل الجماعي والتواصل بين المتعلمين.
  • التشجيع على التعلم الذاتي والمسؤولية الشخصية عن اكتساب المعرفة.
  • تحسين القدرة على مواجهة المشكلات واتخاذ قرارات مدروسة.

استراتيجيات تطبيق التعلم القائم على حل المشكلات

يوفر التعلم القائم على حل المشكلات مجموعة من الاستراتيجيات التي تجعل العملية التعليمية أكثر فاعلية وتساعد المتعلمين على تطوير مهارات التفكير والتحليل؛ مع زيادة قدرتهم على العمل الجماعي والإبداع.

كما أن تنوع الاستراتيجيات يمنح المعلم والمتعلم أدوات متعددة لتطبيق هذا الأسلوب بنجاح على النحو التالي:

1. التعلم التعاوني

يعتمد أسلوب التعلم التعاوني على تقسيم المتعلمين إلى مجموعات للعمل معًا على حل المشكلة المطروحة، ويشجع التعاون على تبادل الأفكار والخبرات ويطور مهارات التواصل وحل النزاعات، وهذا ما يؤدي إلى حلول أكثر شموليةً ودقة.

2. العصف الذهني

يوفر العصف الذهني للمتعلمين فرصة تقديم أكبر عدد ممكن من الأفكار والحلول دون قيود في البداية، وهذا يساعد على زيادة الإبداع وتشجيع التفكير النقدي، كما يمكن الفريق من اختيار أفضل الحلول بعد مناقشتها وتقييمها.

3. المشاريع التعليمية

تتيح المشاريع التعليمية للمتعلمين العمل على مشكلة طويلة المدى تتطلب تخطيطًا وتنفيذًا وتحليلًا؛ بينما تساعد هذه الطريقة على ربط التعلم بالنشاط العملي وتزيد الاستقلالية والمسؤولية لدى المتعلم مع تقديم نتائج ملموسة يمكن تطبيقها في الواقع.

التحديات التي تواجه تطبيق التعلم القائم على حل المشكلات

تواجه المؤسسات التعليمية بعض الصعوبات عند تطبيق التعلم القائم على حل المشكلات وهذا قد يقلل من فعالية هذا الأسلوب إذا لم تعالج بشكل مناسب.

وتظهر هذه التحديات في الجوانب التنظيمية والبشرية والمادية وتتطلب استراتيجيات واضحة للتغلب عليها، ومن هذه التحديات:

1. ضعف تدريب المعلمين

قلة الخبرة والتدريب المتخصص تجعل بعض المعلمين غير قادرين على تطبيق أساليب حل المشكلات بشكل جيد، ولهذا يحتاج المعلم إلى معرفة أدوات التدريس الحديثة وتقنيات التيسير لضمان مشاركة المتعلمين بشكل جيد.

2. كثافة المناهج

تشكل المناهج المزدحمة عبئًا على المعلمين والمتعلمين وهذا يقلل من الوقت المتاح لمناقشة المشكلات وتنفيذ الأنشطة العملية، بينما تحتاج العملية التعليمية إلى إعادة تنظيم المحتوى لتوفير مساحة كافية لتطبيق هذا الأسلوب.

3. قلة الموارد التعليمية

غياب المواد التعليمية المناسبة أو قلة الأدوات اللازمة يمكن أن يعيق تجربة التعلم التفاعلي، ولهذا يجب توفير مصادر معلومات متنوعة وأدوات رقمية وتقنية تساعد على تمكين المتعلمين من البحث والتجربة وحل المشكلات بفاعلية.

الخلاصة

يساعد التعلم القائم على حل المشكلات في تحويل التعليم إلى تجربة تفاعلية ومفيدة تجعل المتعلم أكثر استعدادًا لمواجهة تحديات الحياة العملية والدراسية، ويزيد هذا الأسلوب قدرة المتعلم على التفكير النقدي واتخاذ القرارات وتحليل المواقف بعمق.كما يشجع التعاون والعمل الجماعي والإبداع.

كما أن اعتماد هذا الأسلوب يجعل عملية التعلم أكثر معنى واتصالًا بالواقع ويمنح المتعلم أدوات حقيقية لتطبيق ما اكتسبه من معرفة ومهارات في حياته اليومية والمهنية.

ما هي طريقة التدريس القائمة على حل المشكلات؟

هي أسلوب تعليمي يعتمد على طرح مشكلات واقعية أمام المتعلم ليحللها ويجمع المعلومات ويبدأ باقتراح الحلول واختيار الأنسب وتنفيذه بدلاً من الاكتفاء بالحفظ والتلقين.

ما هي عيوب طريقة حل المشكلات في التدريس؟

قد تواجه صعوبات مثل ضعف تدريب المعلمين وكثافة المناهج وقلة الموارد التعليمية وهذا قد يقلل من فعالية التطبيق إذا لم تعالج هذه المشكلات.

ما هي المبادئ الخمسة للتعلم القائم على حل المشكلات؟

تستند المبادئ الخمسة للتعلم القائم على حل المشكلات إلى تركيز التعلم حول المتعلم ودوره واستخدام مشكلات مستمدة من الواقع العملي وتشجيع العمل الجماعي والتعاون بين المتعلمين، بالإضافة إلى اتباع خطوات منظمة لحل المشكلة من التحديد إلى التقييم وتعزيز التفكير النقدي والإبداعي من خلال التجربة العملية.